أحمد زكي صفوت

213

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

الكفء بمعاملة الأعلى ، ولا تضيع عمرك فيمن يعاملك بالمطامع ، ويثيبك على مصلحة حاضرة عاجلة ، بغائبة آجلة ، واسمع قول الأول : وبع آجلا منك بالعاجل : وأقلل من زيارة الناس ما استطعت ، ولا تجفهم بالجملة ، ولكن يكون ذلك بحيث لا يلحق منه ملل ولا ضجر ولا جفاء ، ولا تقل أيضا : أقعد في كسر بيتي ، ولا أرى أحدا ، وأستريح من الناس ، فإن ذلك كسل داع إلى الذل والمهانة ، وإذا علم عدو لك أو صديق منك ذلك ، عاملاك بحسبه ، فازدراك الصديق ، وجسر عليك العدو ، وإياك أن يغرّك صاحب عن أن تدّخر غيره للزمان ، وتطيعه في عداوة سواه ، ففي الممكن أن يتغير عليك ، فتطلب إعانة غيره ، أو استغناء عنه ، فلا تجد ذخيرة قدّمتها ، وكان هو في أوسع حال ، وأعلي رأى ، بما دبّره بحيلته في انقطاعك عن غيره ، فلو اتفق لك أن تصحب من كل صناعة ورئاسة ، من يكون لك عدّة ، لكان ذلك أولي وأصوب ، وسلني فإني خبير ، طال - واللّه - ما صحبت الشخص أكثر عمرى ، لا أعتمد على سواه ، ولا أعتدّ إلا إياه ، منخدعا بسرابه ، موثوقا في حبائل خطابه ، إلى أن لا يحصل لي منه غير العضّ على البنان ، وقول : لو كان ولو كان ! ولا يحملنّك أيضا هذا القول أن تظنه في كلّ أحد ، وتعجّل المكافأة ، وليكن حسن الظن بمقدار ما ، والفطن لا تخفى عليه مخايل الأحوال ، وفي الوجوه دلالات وعلامات ، وأصغ إلى القائل : ليس ذا وجه من يضيف ولا يق * رى ولا يدفع الأذى عن حريم « 1 » فمن يكن له وجه مثل هذا الوجه فولّ وجهك عنه قبلة ترضاها ، ولتحرص جهدك على أن لا تصحب أو تخدم إلّا ربّ حشمة ونعمة ، ومن نشأ في رفاهية ومروءة ، فإنك تنام معه في مهاد العافية ، وإن الجياد على أعراقها « 2 » تجرى ، وأهل الأحساب

--> ( 1 ) ضافه يضيفه : نزل به ضيفا ، وقرى الضيف كرمى : أحسن إليه . ( 2 ) الأعراق : جمع عرق بالكسر وهو الأصل .